طرائق التفسير
أ- طريقة أهل السنة :
أساس هذه الطريقة الاعتماد على ما جاء عن الله ، ثم ما جاء عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثم جاء عن الصحابة, وما سوى ذلك يجتهد المفسر فيه ، وهو من التفسير بالرأي الذي قد يخطئ صاحبه ويصيب..
أما الاعتماد على ما جاء عن الله فمسلم؛ لأنه هو الأعلم بمراده ، وقد قال : {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ}..
وأما ما جاء عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وثبت نسبته له ، فلا خلاف في تقبله؛ إذ من وظيفته البيان؛ كما قال سبحانه : {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}.
وأما ما نُقل عن الصحابة ، فمن العلماء من قبله مطلقًا؛ لأنهم أدرى بالتنزيل وأخوف من الله. ومن العلماء من قبل عن الصحابة ما لا مجال للرأي فيه؛ كأسباب النزول ، والحديث عن الغيبيات ، وتوقف فيما نُسب للصحابة وللعقل فيه مجال؛ لأنهم إنما يتكلمون في هذا برأيهم ، وقد ينقلونه عن غيرهم من مسلمة أهل الكتاب الذين نقلوه بدورهم عن كتبهم المشكوك في صحتها..
وما أظن أن يختلف سني في تقبل ما نُقل عن الصحابة ، متى سَلِمَ من الشذوذ والعلل القادحة فيه؛ فهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.
129 | 396
وقد شهد الله لهم بالصدق في قوله من سورة الحشر : {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}..
وشهد لهم بالفلاح. ولا يرد قول صادق فضلًا عن الصحابة رضوان الله عليهم..
ب- طريقة المعتزلة :
وأساس هذه الطريقة الاعتماد على العقل ، فإن وافقه النقل قُبل ، وإن عارضه أُوِّلَ النقل مما يتفق مع العقل ، وقد ظهرت هذه الطريقة في العصر العباسي وقت أن اختلط المسلمون بغيرهم ، ونشروا طريقتهم تلك في كتبهم؛ ترويجًا لمذهبهم الاعتزالي.
ونحن لا ننازعهم أن العقل هو المخاطب بالنصوص؛ لكن ننازعهم في ردهم ظاهر المنقول وتأويله ، حتى يتلاقى مع المعقول؛ إذ العقل مأمور لا آمر ، مطالب بالإيمان كما هو مطالب بالتعقل ، وله حدود يجب أن يقف عندها خصوصًا في المسائل الغيبية؛ كرؤية الله ، واتخاذه إبراهيم خليلًا.
ج- طريقة الصوفية :
حاول الصوفية منذ أقدم العصور أن يجدوا لمبادئهم مستندًا من النصوص القرآنية ، وأن يتخذوا من القرآن عمدة في تأييد خطتهم وطريقهم. والصوفية يرون أن النص القرآني تحتجب وراء دلالته اللفظية أفكار عميقة ومعانٍ دقيقة ، ويرون أن المعنى الحقيقي للتنزيل الإلهي لا يتناهى عند هذه البسائط البادية من ظاهره. وأن هناك معنًى ظاهرًا ومعنًى باطنًا ،
130 | 396
وأن الأهم هو المعنى الباطن؛ ولذلك يقول ناصر الدين خسرو : "تفسير النص بالظاهر هو بدن العقيدة ، بيد أن التفسير الأعمق يحل محل الروح ، وأنَّى يحيا بدن بلا روح!...".
وهم يقولون بعلم الإشارة؛ وهو علم ما في القرآن من أسرار عن طريق العمل به ، ويسمون هذا مذهب أهل الصفوة في المستنبطات الصحيحة في فهم القرآن..
والصوفية أيضًا يقولون بأن تحت كل حرف من حروف القرآن كثيرًا من الفهم ، وهو مذخور لأهله على قدر ما قسم لهم من ذلك1 ، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى : {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}..
وقوله سبحانه : {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}.
وقالوا : إن معنى {مِنْ شَيْءٍ} من شيء من علم الدين ، وعلم الأحوال التي بين الخلق وبين الله تعالى ، وغير ذلك..
وإنما يصل الإنسان إلى ذلك إذا تدبر في القرآن وتفكر وتيقظ وأحضر قلبه عند تلاوته؛ لأن الله تعالى يقول : {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}.
والمهم هنا حضور القلب؛ لقوله تعالى : {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}.
__________
1 والتحقيق أن كل ما خالف دلالة اللفظ الظاهرة بدون قرينة مردود لا يقبل ، فقس على هذه القاعدة كل ما تجده من جزئيات في تفاسير الصوفية وغيرهم.
131 | 396
وقال أبو سعيد الخراز : "كلما بدا حرف من الأحرف من كتاب الله عز وجل على قدر قربك وحضورك عنده ، فله مشرب وفهم غير مخرج الفهم الآخر. وإذا سمعت بقوله {الم ، ذَلِكَ} فللألف علم يظهر في الفهم غير ما يظهر اللام. وعلى قدر المحبة وصفاء الفكر ووجود القرب يقع التفاوت في الفهم". اهـ.
وجاء في اللمع أن سهل بن عبد الله قال : "لو أعطي العبد لكل حرف من القرآن ألف فهم لما بلغ نهاية ما جعل الله في آية في كتاب الله تعالى من الفهم؛ لأنه كلام الله وصفته".
وكما أنه ليس لله نهاية ، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه؛ وإنما يفهمون على مقدار ما يفتح الله تعالى على قلوب أوليائه من فهم كلامه ، وكلام الله غير مخلوق ، فلا تبلغ إلى نهاية الفهم فيه فهوم الخلق.
والصوفية يقررون أن طريق الفهم العميق للقرآن الكريم مفتاحه العمل بالقرآن؛ ولذلك يقول أبو سعيد : أول الفهم لكتاب الله تعالى العمل به؛ لأن فيه العلم والفهم والاستنباط. وأول الفهم : إلقاء السمع والمشاهدة؛ لقوله عز وجل : {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}. وقال تعالى : {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}.
ويرون أن الذين تنكشف لهم الخزائن المذخورة تحت كل آية؛ بل تحت كل حرف في القرآن الكريم؛ إنما هم الراسخون في العلم ، الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب وفي سر السر ، يعرفهم ما عرفهم وأراد منهم من مقتضى الآيات ما لم يرد من غيرهم ، وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب
132 | 396
الزيادات ، فانكشف لهم من مذخور الخزائن والمخزون تحت كل حرف وآية ، فاستخرجوا الدر والجوهر ونطقوا بالحكم..
وقد شغل فريق من الصوفية أنفسهم بتفسير الحروف في القرآن الكريم؛ ومن أمثلة ذلك ما ذكره الطوسي من أن جميع ما أدركته العلوم ولحقته الفهوم -ما عبر عنه وما أشير إليه- مستنبط من حرفين ، ومن أول كتاب الله؛ وهو قوله : {بِسْمِ اللَّهِ} و{الْحَمْدُ لِلَّهِ}؛ لأن معناه : بالله ولله.
والإشارة في ذلك أن جميع ما أحاط به علوم الخلق وأدركته أفهامهم ، فليست هي قائمة بذاتها؛ وإنما هي بالله قامت وله انتهت.
وسئل بعضهم عن الإشارة في "الباء" من {بِسْمِ اللَّهِ} فقال : أي : بالله قامت الأرواح والأجساد والحركات ، لا بذواتها..
وقالوا : إن اسم الله الأعظم هو "الله"؛ لأنه إذا ذهب الألف يبقى "لله" ، وإن ذهب اللام يبقى "له" ، فلم تذهب الإشارة ، وإن ذهب اللام الآخر بقي "هاء" ، وجميع الأسرار في "الهاء"؛ لأن معناها : هو ، وجميع الأسماء إذا ذهب عنه حرف ذهب معناه ولم يبقَ فيه موضع للإشارة ، فمن أجل ذلك لا يسمى به غيره.
والميزان لهذ الطرق يأتي في حديثنا عن أهم قواعد التفسير..
133 | 396